Skip to Content

آخر واحد فينا: الهجرة نحو الداخل

آخر واحد فينا: الهجرة نحو الداخل

كن الأول!
17 نوفمبر 2016 مقالات نقدية

رامي عبد الرازق

في المشهد الأخير من فيلم آخر واحد فينايقف المهاجر الأسمر عاريا كما الأنسان الأول أمام شلال ضخم وسط الغابة التي يعيش بها، مغبر الوجه أشعث الشعر ليظن المتلقي أنه ينوي أن يستحم بعد أن قضى أياما غير معدودة في الغابة وحيدا هائما يطارده القمر في المساء إلا أنه وعلى خلاف ذلك التصور الواقعي التقليدي وعبر تقنية المزج المونتاجية يذوب الجسد الأسمر العاري في لقطة بعيدة داخل المحيط الأخضر المائي الذي يقف بداخله وكأنه أخيرا استرد الشئ الذي كان يبحث عنه أو حقق الغاية التي قطع المسافات الطويلة من أجلها.

هذا فيلم مراوغ في معطياته الإنسانية والسينمائية، في البداية يبدو وكأنه فيلم عن الهجرة غير الشرعية وطريقها الوعر ومحطاتها التي تتنوع ما بين الاعتداء والهرب والسرقة والنوم في الطرقات ومقاسمة الطعام مع قطط الشوارع، لكنه تدريجيا وفي النصف الثاني مع وصول المهاجر الأسمر إلى أحد الشواطئ البعيدة التي لا ندري هل هي محطته الأخيرة أم أنها فرضت عليه بحكم المسافات والإصابة، في النصف الثاني يكشف الفيلم عن نواياه الحقيقية خاصة عندما يلتقي المهاجر الأسمر برجل عجوز يسكن الغابة التي تقع خلف الشاطئ البعيد والذي يبدو وكأنه هو نفسه المهاجر الأسمر ولكن قبل سنوات ليجتمع الحاضر والمصير في اجتماع المهاجر الأسمر والعجوز الصامت صاحب النظرة القلقة والحواس الحيوانية التي تدربت على التقاط اخف الأصوات في تلك الغابة الخالية.

صمت، تجريد وضوء طبيعي

لا يدع لنا الفيلم مساحة يقينية بأي شئ، بل يتركنا لتأويل التفاصيل حسب المطروح منها، فالبعض قد يراه من منظور سياسي يتحدث عن تفاصيل رحلة هجرة غير شرعية انتهت بصاحبها بعض العناء إلى أن يتحول إلى انسان بدائي يعيش على اصطياد الحيوانات البرية في غابة مجهولة والبعض قد ينظر إليه من زواية الأرتداد الفلسفي للجنس البشري بعد أن وصل إلى قدر هائل من التطور والمدنية لكنه بفقدانه للروح الأنسانية الحقيقية فأنه سوف يعود مرة أخرى كما بدأ وكأنه رجل الكهف الأول بعد أن كان إنسان المدن الأخيرة وهو ما يمكن أن نرصده بذلك الانتقال البيئي بصريا منذ مشاهد البدايات التي تنطلق من الصحراء حيث نرى المهاجر الأسمر وزميله الذي لا يلبث أن يفقده بعد محطة قصيرة ثم المدينة التي يدخلها خلسة والشوارع التي ينام فيها ملتخفا الفراغ وصولا إلى البحر الذي يتسلل عبر شاطئه بعد أن سرق مركبا صغيرا إلى أن يصل إلى الغابة التي هي المجاز الأخير في تلك الرحلة وقد تحول إلى شبه حيوان يقع في فخاخ الذئاب المنصوبة وينتظر على يديه وقدميه أن يلقي له العجوز الذي التقى به قطعة من لحم قط بري.

وقد ينظر البعض للفيلم من زاوية الدعوة إلى الهجرة الداخلية أي إلى داخل الأنسان ذاته ليعيد اكتشاف نفسه ويتخلص من ادران الحضارة المدنية الغير متكافئة والتي تدفعه فيها الاوضاع السياسية والظروف الأقتصادية إلى خوض التهلكة برا وبحرا ربما أملا في الوصول إلى مكان أفضل .

ولكن حتى ذلك المكان ربما لا يختلف كثيرا عن المدينة الأولى أليست الغابة بقوانينيها وشريعتها وقسوتها البرية في مستوى ما من مستويات المجاز هي ذاتها المدينة التي تجمل وجهها بالبنايات والشوارع ولكنها ظلت تحتفظ بقلب الغابة الموحش!

إن تعدد مستويات التأويل في الفيلم – أو أي عمل فنيلا يكون نابعا فقط من الأفكار التي يطرحها العمل ولكنه يأتي من امتزاج شكل الفيلم مع مضمونه أي الأدوات السردية والحكائية المستخدمة في طرح الفكرة والموضوع بحد ذاته ومن هنا يمكن الوقوف على عدد من العناصر التي قام المخرج بالاشتغال عبرها لتحقيق هذا المستوى من تعدد التأويلات.

على مستوى شريط الصوت حافظ المخرج على غياب الحوار بشكل أساسي وبدون افتعال خاصة في النصف الأول من الفيلم الذي يحتك فيه المهاجر الأسود بشخصيات أخرى يستلزم التواصل معهم الحوار بشكل واقعي وطبيعي ولكنه استطاع التحايل على ذلك – مذكرا ايانا ببعض مشاهد الفيلم المصري فرش وغطا للمخرج أحمد عبد اللهحيث تغطى الأصوات المحيطة على حوارات الشخصيات بشكل يحول دون سماعها ولكن عبر تتابع اللقطات يمكن بسهولة الوقوف على ماهية الحوار الدائر خاصة في المشاهد الأولى التي يبدو من الجلي فيها أنه اتفاق على التهريب غير الشرعي للمهاجر الأسمر وزميله عبر الحدود بعد أن اجتازوا الصحراء سيرا على الأقدام.

أما في النصف الثاني بعد أن يطأ المهاجر أرض الغابة ثم يلتقي بالعجوز الذي ينقذه من فخ الذئاب ويعالج قدمه فأن الحوار المعدوم بينهم يبدو منطقيا لأن هذا الرجل يبدو وكأنه قد نسي اللغة تماما من كثرة ما عاش في تلك الغابة وحيدا هائما كأنما هو هنا من قبل اختراع اللغة أو بعد موت اللغة ذاتها، بل أننا لا نجد بينه وبين المهاجر الأسمر اي صعوبة في التواصل بلا لغة سوى نظرات العيون – والفيلم هو حكاية تروى بالنظرات كما نعلم– .

أن غياب الحوار أو تحييده بهذا الشكل هو جزء من تقليص مساحة اليقين بأي شئ وهو ايضا جزء من العنصر التالي من عناصر السرد ألا وهو التجريد حيث أن اللغة قيد ومعلومة وكلاهما ضد التجريد في صناعته الأثيرة، اللغة تعني الجغرافيا والتاريخ والظرف الأجتماعي والسياسي والمعلومات الملقنة وغيابها عن شريط الصوت هو مد خط الخيال والفكر على استقامته، نحن أمام مهاجر اسمر قادم من الصحراء هذا هو ما يكفينا من معلوماتبصريةلكي نتخيل البقية أو لا نتخليها ولكنها مؤنة ذهنية تصلح للأنطلاق منها وترتيب آلية التلقي.

وكما تنتفي اللغة تنتفي الجغرافيا بمفهومها المحلي فنحن لا نعلم في اي بلد نحن، نحن أمام قادم من الصحراء إلى المدينة ثم متسللا عبر البحر إلى الغابة، كلها أماكن مجردة لا اسم لها ولكن يمكن أن يكون لها كل الأسماء بحسب منطق التجريد الأشمل.

ما نراه عبر رحلة المهاجر الأسمر هو شوارع وقطط وسيارات وصيادين وقوارب وبحر ومدينة كلها نكرات لا يوجد منها معرف واحد وبالتالي فأننا يمكن أن نتعاطى معها على اعتبار أنها تخصنا أو تخص العالم كله الذي نحن جزء أو قطعة أو تفصيله منه، والحياة نفسها أليست هي ترحال دائم وسفر مستمر وهجرة من حال إلى حال حتى عند الماديين وليس فقط المتصوفة أو اصحاب فلسفات الروح.

ومن أجل اكتمال عنصر التجريد وبالتالي فتح أفق التأويل والتلقي أمام المشاهد في تعاطيه مع الفيلم فأن المخرج لجأ إلى اسلوب بصري أقرب للسينما الوثائقية أو الدوجما وذلك في تعامله مع الإضاءة الطبيعية كجزء من عملية السرد حيث أن اللقطات دوما ما تأتي أما في ضوء النهار أو في أضواء المصابيح اليدوية التي يحملها المهاجر الأسمر وزميله وذلك قبل أن يعتدى عليهما ويهرب المهاجر الأسمر بمفرده ويظل محتفظا بالمصباح اليدوي إلى أن تحل محله النار التي يشعلها له العجوز ساكن الصمت والغابة.

حتى مشاهد الليل نجد الكثير منها يتم التعامل معه بذكاء خاصة مع تعب المهاجر الاسمر ونومه في البحر أو على اطراف الغابة أو في حفرة فخ الذئاب أما في المشاهد التي يوشك فيها أن يفقد عقله أو لنقل التي يبدأ تفاعله الحقيقي مع الطبيعة يتحرك بأتجاه الأكتمال فأننا نرى القمر يطارده ويسير خلفه كأنما ينير له ليله حالك الظلمة والحيرة والوحدة.

أن ميزة التعامل مع الضوء الطبيعي هو نقل الاحساس بأن ما نراه واقعيا ربما أكثر من الواقع نفسه وحقيقيا بشكل كبير ورغم قوة التكونيات البصرية ودقتها وتعبيريتها الواضحة في الكثير من لقطات الفيلم إلا أن أجملها وأكثرها تأثيرا يظل محكوما بكونها تشكلت دون تدخل عنصر اصطناعي أو مقحم على البيئة أو المكان كالضوء غير الطبيعي أو مجهول المصدر.

يحتوي آخر واحد فينا على العديد من اللقطات المفعمة بقوة التعبير البصري والتكوين الدال ذي التأثير واللمسة الجمالية خاصة في النصف الثاني من الفيلم أو ما يمكن أن نطلق عليه فصل الغابة فمنذ أن يطأ المهاجر الأسمر الشاطئ ويدخل إلى الأحراش نجد تلك اللقطات التي تصوره بين الأغصان كأنما هو في سجن ضخم أو كأنها تنفذ عبر جسده ممزقة اياه ولكننا بالتدريج ومع تحرره النسبي وانخراطه في الحياه البدايئة نراه دوما في لقطات واضحة بينما الغابة في الخلفية وكأنما تخلص من القفص وأصبح أكثر قربا من التماهي مع ذاته أو أصله الأول كما في المشهد الأخير وهو يقف عاريا قبل أن تذوب اللقطة في الغابة الواسعة والشلال الدائم.

ولا تأتي رحلة التحرر أو الذوبان تلك إلا عبر التخلص من الطبيعية الحيوانية التي نراها في لقطة انتظار المهاجر الأسمر على قدميه ويديه لقطعة من الشواء الذي يقوم العجوز بعد أن انتشله من فخ الذئب حيث يعطينا التكوين البصري دلالة واضحة لهذا السياق لا تلبث أن تختلف مع تطور العلاقة بينهما إلى أن يحل المهاجر الأسمر محل العجوز في الغابة بعد أن يموت العجوز نتيجة جرح غامض.

هذا فيلم يستحق مشاهدة متأنية وذهنية لا تتعاطي مع السطحي أو السهل أو المتاح بل تنظر إلى ما وراء الصمت وتتعامل مع التجريد لا على اعتبار أنه غامض بل مساحة تأويل حرة ومفتوحة لواقع حضاري وانساني اصبحت فيه المسميات غير ذات معنى .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*